ابن كثير
44
البداية والنهاية
العافية وأظهرهم على العدو ، ولا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني ، فحتى متى هذا ؟ أبي يسخرون ؟ أم بي يتحرشون ؟ أم إياي يخادعون ؟ أم علي يجترئون فإني أقسم بعزتي لأتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم ( 1 ) ، ويضل فيها رأي ذوي الرأي وحكمة الحكيم ، ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتبا ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة ، وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل [ سواد ] الليل المظلم . له فيه عساكر مثل قطع السحاب ومواكب مثل العجاج ، وكأن حفيف ( 2 ) راياته طيران النسور وحمل فرسانه كسرب ( 3 ) العقبان يعيدون العمران خرابا والقرى وحشا ويعثون في الأرض فسادا ويتبرون ما علوا تتبيرا قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقبون ولا يرحمون . ولا يبصرون ولا يسمعون يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد تقشعر من هيبتها الجلود وتطيش من سمعها الأحلام بألسنة لا يفقهونها ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها . فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري ، ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين ، ويتفقهون فيها لغير الدين ويتعلمون فيها لغير العمل ، لأبدلن ملوكها بالعز الذل وبالأمن الخوف وبالغني الفقر وبالنعمة الجوع وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء ، وبالأرواح الطيبة والأدهان جيف القتل ، وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والاغلال . ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة ، والحصون الحصينة الخراب ، وبعد البروج المشيدة مساكن السباع ، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب ، وبعد ضوء السراج دخان الحريق ، وبعد الانس الوحشة والقفار . ثم لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال ، وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد . وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار ، وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب إلى الليل في بطون الأسواق ، وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه ، والسوق والاسفار والأرواح السموم . ثم لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق ( 4 ) لوصل ذلك إليه ، إني إنما أكرم من أكرمني ، وإنما أهين من هان عليه أمري . ثم لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن عليهم طبقا من حديد ولآمرن الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت . فإن أمطرت خلال ذلك شيئا سلطت عليهم الآفة فإن خلص منه شئ نزعت منه البركة ، وإن دعوني لم أجبهم وإن سألوني لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم ، وإن تضرعوا إلي صرفت وجهي عنهم . وإن قالوا اللهم أنت الذي ابتدأتنا وآباءنا من قبلنا برحمتك وكرامتك ، وذلك بأنك اخترتنا لنفسك ، وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك ثم مكنت لنا في البلاد ،
--> ( 1 ) في الطبري : الحليم . ( 2 ) في الطبري : خفيق . ( 3 ) في الطبري 1 / 287 : كرير العقبان . ( 4 ) حالق : المكان المرتفع .